الخطيب الشربيني

384

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

وكذلك التفسير بالحوت إما أن يراد نون من النينان ، أو يجعل علما لليهموت الذي يزعمون والتفسير باللوح من نور أو ذهب والنهر في الجنة نحو ذلك ا . ه . تنبيه : في القلم المقسم به قولان : أحدهما : أن المراد به الجنس وهو واقع على كل قلم يكتب به في السماء والأرض ، قال تعالى : وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ( 3 ) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ( 4 ) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ [ العلق : 3 - 5 ] ولأنه ينتفع به كما ينتفع بالنطق ، قال تعالى : خَلَقَ الْإِنْسانَ ( 3 ) عَلَّمَهُ الْبَيانَ [ الرحمن : 3 - 4 ] ، فالقلم يبين كما يبين اللسان في المخاطبة بالكتابة للغائب والحاضر ، والثاني : أنه القلم الذي جاء في الخبر عن ابن عباس رضي الله عنهما : أول ما خلق الله تعالى القلم ، ثم قال له : اكتب ، قال : ما أكتب ؟ قال : ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة من عمل أو أجل أو رزق أو أثر ، فجرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة قال : ثم ختم فم القلم فلم ينطق ولا ينطق إلى يوم القيامة ، قال : وهو قلم من نور طوله كما بين السماء والأرض . وروى مجاهد أول ما خلق الله تعالى القلم فقال : اكتب المقدر ، فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة ، وإنما يجري في الناس على أمر قد فرغ منه ، قال ابن عادل : قال القاضي : هذا الخبر يجب حمله على المجاز ، لأن القلم آلة مخصوصة للكتابة لا يجوز أن يكون حيا عاقلا فيؤمر وينهى ، فإن الجمع بين كونه حيوانا مكلفا وبين كونه آلة للكتابة محال ، بل المراد منه إنه تعالى أجراه بكل ما يكون وهو قوله تعالى : إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [ آل عمران : 47 ] فإنه ليس هناك أمر ولا تكليف بل هو مجرد نفاذ القدرة في المقدور من غير منازعة ولا مدافعة ، ا ه . وقوله : فإن الجمع إلى قوله : محال ، ممنوع فإن الله تعالى خلق فيه ذلك كما قال تعالى للسموات والأرض : ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ [ فصلت : 11 ] وقال الزمخشري : أقسم بالقلم تعظيما له لما في خلقه وتسويته من الدلالة على الحكمة العظيمة ولما فيه من المنافع والفوائد التي لا يحيطها الوصف . وقيل : القلم المذكور ههنا هو العقل وإنه شيء كالأصل لجميع المخلوقات ، قالوا : والدليل عليه أنه روي في الأخبار : أول ما خلق الله تعالى القلم ، وفي خبر آخر : « أول ما خلق الله تعالى العقل ، فقال الجبار : ما خلقت خلقا أعجب إليّ منك وعزتي وجلالي لأكملنك فيمن أحببت ولأنقصنك فيمن أبغضت ، قال : ثم قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : أكمل الناس عقلا أطوعهم لله وأعلمهم بطاعته » « 1 » . وفي خبر آخر : أول ما خلق الله تعالى جوهرة فنظر إليها بعين الهيبة فذابت وسخنت فارتفع منها دخان وزبد ، فخلق من الدخان السماوات ومن الزبد الأرض ، قالوا : وهذه الأخبار بمجموعها تدل على أن القلم والعقل وتلك الجوهرة التي هي أصل المخلوقات شيء واحد وإلا حصل التناقض ، وقال البغوي : القلم هو الذي كتب الله به الذكر وهو قلم من نور طوله ما بين السماء والأرض ، ويقال : أول ما خلق الله تعالى القلم ونظر إليه فانشق نصفين ثم قال : اجر بما هو كائن إلى يوم القيامة فجرى على اللوح المحفوظ بذلك . وقرأ قالون وابن كثير وأبو عمرو وحفص وحمزة وورش بخلاف عنه بإظهار النون عند الواو هنا والباقون بالإدغام .

--> ( 1 ) أخرجه الزبيدي في إتحاف السادة المتقين 1 / 458 ، 474 ، والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد 13 / 40 .